أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

15

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : ما لا يَضُرُّهُمْ . « ما » : موصولة أو نكرة موصوفة ، وهي واقعة على الأصنام ، ولذلك راعى لفظها ، فأفرد في قوله : « ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ » وجمع معناها في قوله : « هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا » ، قوله : « أَ تُنَبِّئُونَ » قرأ بعضهم « أتنبئون » مخففا من أنبأ ، يقال : أنبأ ونبّأ كأخبر وخبّر ، وقوله : « بِما لا يَعْلَمُ » « ما » موصولة أو نكرة موصوفة كالتي تقدم ، وعلى كلا التقديرين فالعائد محذوف ، أي : يعلمه ، والفاعل هو ضمير الباري ، والمعنى : أتنبئون اللّه بالذي لا يعلمه اللّه ، وإذا لم يعلم اللّه شيئا استحال وجود ذلك الشيء ، لأنه تعالى لا يعزب عن علمه شيء ، وذلك الشيء هو الشفاعة . ف « ما » عبارة عن الشفاعة ، والمعنى : إنّ الشفاعة لو كانت لعلمها الباري تعالى . قوله : فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ تأكيد لنفيه ، لأن كل موجود لا يخرج عنهما ، ويجوز أن يكون « ما » عبارة عن الأصنام وفاعل « يَعْلَمُ » ضمير عائد عليهما ، والمعنى : أتعلمون اللّه بالأصنام التي لا تعلم شيئا في السماوات ولا في الأرض ، وإذا ثبت أنها لا تعلم فكيف تشفع والشافع لا بدّ أن يعرف المشفوع عنده والمشفوع له ، أعربه الشيخ « 1 » فجعل « ما » عبارة عن الأصنام لا عن الشفاعة . والأول أظهر . و « ما » في « عَمَّا يُشْرِكُونَ » يحتمل : أن تكون بمعنى الذي أي : عن شركائهم الذين يشركونهم به في العبادة أو المصدرية ، أي : عن إشراكهم به غيره ، وقرأ الأخوان هنا « عَمَّا يُشْرِكُونَ » وفي النحل موضعين : الأول : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ . والثاني : بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ، وفي الروم هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ بالخطاب والباقون بالغيبة في الجميع ، والخطاب والغيبة واضحتان . وأتى هنا ب « يُشْرِكُونَ » مضارعا دون الماضي تنبيها على استمرار حالهم كما جاء « وَيَعْبُدُونَ » ، وتنبيها أيضا على أنهم على الشرك في المستقبل ، كما كانوا عليه في الماضي . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 21 ] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ( 21 ) قوله : وَإِذا أَذَقْنَا . جوابها « إِذا » الفجائية في قوله : « إِذا لَهُمْ مَكْرٌ » والعامل في « إِذا » الفجائية الاستقرار الذي في « لَهُمْ » وقد تقدم « 2 » لك خلاف في « إِذا » هذه هل هي حرف أو ظرف زمان على بابها أو ظرف مكان . فقال أبو البقاء : وقيل « إِذا » الثانية زمانية أيضا ، والثانية وما بعدها جواب الأولى . وهذا الذي حكاه قول ساقط لا يفهم معناه . قوله : « فِي » متعلق ب « مَكْرٌ » جعل الآيات محلا للمكر مبالغة ، ويضعف أن يكون الجار صفة ل « مَكْرٌ » وقوله : « مَكْراً » نصب على التمييز وهو واجب النصب ، لأنك لو صغت من « أفعل » فعلا وأسندته إلى تمييزه فاعلا لصح أن يقال : « سرع مكره » وأيضا فإن شرط جواز الخفض صدق التمييز على موصوف أفعل التفضيل ، نحو : « زيد أحسن فقيه »

--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 134 ) . ( 2 ) أنظر سورة البقرة ، آية : ( 11 ) .